اللوبيّ اللبنانيّ

و

نقابة المعلّمين

   نعم تخلّيت عن مهنة التربية والتعليم، بعد أن مارستها حوالى أربعة عقود من عمر الزمن، بذلت فيها ما استطعت لتخريج أجيال مسلّحة بسلاح المعرفة والخلق الكريم، إلّا أنّني لم أزل أحنّ إليها وأحبّها وأحبّ من يزاولها ويكابدها، وهي مهنة شاقّة ومقدّسة تستحقّ أن يعيرها أولو الشأن وأهل القرار عناية واهتمامًا يساعدان الوطن الهاوي على الوقوف والنهوض والارتقاء؛ والمهنة هذه أساسها المدرسة، والمدرسة لا تثمّن ولا  تقاس بمتانة مبناها وشموخ جدرانها ولا بحسن باحاتها أو جمال مقاعدها، بل تقاس بمن فيها من مربّين ومعلّمين؛ وقد ورد على لسان زعيم ألمانيا في القرن الماضي بسمارك قوله: "اصنعوا لي معلّمًا صالحًا، أبنِ لكم أمّةً قويّة جديرة بالحياة الكريمة".

   المعلّم في بناء الوطن هو الأساس وهو الركيزة للمدرسة، به تنمو وتسمو وتزدهر، وبازدهارها يسمو الوطن ويشمخ؛ نعم تخلّيت عن ممارسة هذه المهنة الشريفة التي لا تعادلها مهنة أخرى مهما علت، وبقيت أحبّها وأحبّ من يتعاطاها ويمارسها بمحبّة وإخلاص كما أحببتها وأخلصت لها؛ وها أنا ذا أراني الآن وبمناسبة إضرابكم أيّها المعلّمون والمعلّمات أدلو بدلوي بين دلائكم فأعود إلى سنين انصرمت كنت فيها أحد أعضاء نقابة المعلّمين آنذاك، وكانت فتيّة لم يصلب عودها بعد، وكان رئيسها المرحوم "بولس الخولي" الذي كان الرجل المثاليّ علماً وأخلاقًا، وكان ذلك في مطلع عهد الاستقلال، الذي ويا للأسف الشديد، لم ينِ أن تحوّل إلى عهد استغلال، ونالت النقابة بعد جهود مضنية، بعض المطالب التي لم تسمن ولم تُغن.

   وإنّي مورد بعض هذه الجهود التي لا أزل أتذكّرها والتي بُذلت مع الرئيس بشارة الخوري، ومن ثمّ مع الرئيس الثاني، رئيس المجلس التشريعيّ في ذاك الوقت، "حبيب أبو شهلا" الأرثوذكسيّ الأصيل لا الشيعيّ، وهذا الأخير، بناءً على موعد ضربه لنا، التقيناه في مكتبه الرئاسيّ، وكان الأستاذ الخولي ممثّلًا نقابة المعلّمين ورئيس وفدها الذي ضمّ فيمن ضمّ، الأستاذين "عمر فروخ وموسى سليمان" ومثّل المقاصد الإسلاميّة "عمر الداعوق" والمدارس الكاثوليكيّة الأب "اغناطيوس مارون".

النقاش: عرض الخولي مطالب المعلّمين التي منها تحسين مستوى راتب المعلّم ومنع الصّرف الكيفيّ وجعل النقابة مساوية لأيّة نقابة أخرى في الصلاحيات، ممّا يساعد على محاربة الفوضى في تعيين المعلّمين والمعلّمات وعدم السماح بممارسة المهنة إلّا بشروط، منها شهادة إحدى دور المعلمين وشهادة خلقيّة وموافقة النقابة، بحيث يمنع أرباب المدارس من استثمارهم والاستغناء عنهم متى شاؤوا، بحقّ وبدون حقّ، أي ممارستهم الصرف الكيفيّ...الخ...

   فرفض ممثّلا المدارس الخاصّة، الإسلاميّة والمسيحيّة، مطالبنا التي هي تقريبًا مطالبكم اليوم بالذات، وبعد انقضاء خمسة عقود من الأعوام، وخاصّة مطلب الزيادة!

رئيس المجلس النيابيّ والأب "مارون": أصغى رئيس المجلس التشريعيّ إلى المطالب وردّ رافضيها واستوعبها، وهو ذو العقل النيّر الثاقب، ورأى في طلب زيادة الرواتب عدلًا وحقًا، وكان الراتب لا يجاوز بضع عشرات لا مئات، من اللّيرات المتهاوية اليوم نحو الحضيض، ولمّا اقتنع أنّ لا نيّة لدى ممثّلي المدارس الخاصّة، في الزيادة قال، موجّهًا كلامه إلى عمر بك والأب المحترم: بما أنّي مقتنع بأنّ مطلب الزيادة مطلب حقّ، وبما أنّكما تدّعيان العجز عن تنفيذ ذلك، أيّها السيّدان الكريمان، فأنا أعرض عليكما ما يأتي: سأسعى لدى مجلسي "مجلس الشعب" للتصويت على مادّة في قوانين المجلس، تؤمّن لمدارسكم الزيادة المطلوبة من خزينة الدولة، ولكن على شريطة أن يكون لمفتّشي وزارة التربية الوطنيّة، الحقّ والصلاحيّة في مراقبة سجلّات المدارس، للتأكّد ممّا هي واقعة فيه من عجز لتسدّده. وهكذا نُرضي المعلّمين المغبونين ولا تتكلّف مدارسكم ليرة أبدًا...

   ما كان من الأب المحترم، "إينياس"، بعد سماعه عرض رئيس البرلمان، إلّا أن وقف وخبط على الطاولة خبطة لاعشوائيّة طبعًا رافضًا بحدّة هذا العرض، وقال بصوت جهوريّ "لا نقبل! نؤثر إقفال مدارسنا، ولا ننيلكم ما تعرضون علينا"!

   بهت الجميع ممّا سمعوا واستغربه "الحبيب" الظريف وابتسم ممثّلو النقابة وظلّوا محافظين على رباطة الجأش، فلم يردّوا، وتأكّدوا من أنّ طبخة المجلس النيابيّ كانت طبخة حصى، وأمّا "عمر بك الداعوق" وكان قليل الكلام، فقد قال ما معناه: لماذا يطالبون بالزيادة للمعلّم، ألا نعطيه ما يكفيه لردّ غائلة الجوع؟ لو كان قنوعًا لكفاه ما يتناوله منّا، والقناعة كما لا تجهلون، غنى! وهل من الضروريّ أن يعيش ببذخ ورفاه؟ ألا يغني صحن المجدرة وصحن السلطة مثلًا عن لحم الدجاج والسمك؟ وأردف معتذرًا عن رفض الزيادة قائلًا: معظم معلّمينا لا يجدون عملًا آخر، لذا نعيّنهم، بانتظار أن يجدوا عملًا غير التعليم والتربية، يدرّ عليهم أكثر مما يدرّ راتب مدارسنا!....

     إزاء هذا الموقف المتصلّب المثير، وقد طفح كيل الصبر، هبّ رئيس النقابة، وهو الحليم الصبور، الأستاذ الشيخ الوقور، " الخولي " ودافع عن حقّ المعلّم مسفّها قول ممثّل المدارس الإسلاميّة الذي يحسب اللجوء إلى التعليم هربًا من البطالة، وندّد بضعفِ حجّة ممثّل المدارس الكاثوليكيّة. وخرجنا من قاعة الاجتماع كما خرج "حنين" يومًا بخفّيه، وأدركنا تمامًا أنّ جماعة أرباب المدارس الخاصّة في شرق المدينة وغربها وفي سائر مدن لبنان، ذوو نفوذ طاغٍ على نفوذ النقابة لدى مسؤولي الدولة: كان يسمع صوتهم وأصواتنا كانت تذهب بالريح، وما حصّلته النقابة على جهودها لم يكن سوى نزر يسير ممّا أرادت، وعسى أن تنال نقابتكم اليوم ما عجزت نقابة المعلّم القديمة، النقابة الأم، عن نيله. وأنتم أيّها النقابيون، في وضع الآن يمكّنكم من بلوغ مطالبكم، بتماسككم وتضامنكم والشعب معكم وأنتم هداته.

اللوبيّ اللبنانيّ: إنّ في لبنان أيّها المعلّمون المضربون سياسة تربويّة تعليميّة غير رسميّة، سيّرها ولا يزال يسيّرها أناس ذوو حَول وطَول، يستندون في سياستهم إلى ما سمّوه "حرّيّة التعليم" المنصوص عنها في الدستور اللبنانيّ، وهم يشكّلون اللوبيّ اللبنانيّ. تقضي سياستهم بأن  تبقى المدارس الخاصّة، ومعظمها يديرها ويشرف عليها آباء وشيوخ، فوق الكلّ، يتصرّف أربابها بدون رقيب من قبل الدولة. كما بيَّنَتْ الخبطة العفويّة للأب المحترم أمام رئيس ممثّلي الشعب، الذين طال أمد تمثيلهم، بسبب هذه الحرب الهوجاء المدمّرة؛ فهؤلاء يعيّنون المعلّم الذي يريدون ويصرفونه متى يشاؤون، هكذا كانوا وهكذا يودّون أن يظلّوا، بدافع الربح والابتزاز، أكثر ممّا هو بدافع الحرّيّة التي خلفها يتستّرون.

   والتعليم الرسميّ المنقذ لأولاد الطبقات الفقيرة، حاربوه من قبل ولا يزالون يحاربونه من خلف الستار، لأنّ تعزيزه، كما هو معزز في "فرنسا" مثلًا وقد اقتبسناه من أنظمتها التعليميّة وأحببنا لغتها، يضعف مدارسهم ويدفع التلاميذ إلى الانصراف عنها، ليلجؤوا إلى المدارس الرسميّة ذات الطابع الوطنيّ المحصّن والتي تؤمّن لهم العلم وتوفّر على كواهل ذويهم أعباء ماديّة ينوؤون تحت حملها.

   التعليم والتربية، في نظر هذا اللّوبي الذي يعمل في الجهر والخفاء، ينبغي أن يكونا من اختصاصهم حتمًا وليس من اختصاص الدولة، وقد أكّد ذلك ما قاله ذات يوم المثلّث الرحمات "البطريرك الصايغ" للروم الكاثوليك في محاضرة له "باللسان الفرنسيّ" تحت عنوان: "الاسبوع الاجتماعي" وقد سمعته أذناي في قاعة من قاعات الجامعة اليسوعيّة في بيروت. " La Semaine Sociale"

   وبعلمي أيضًا أنّ وفدًا من رجالاتهم المحترمين من اللوبي، قابل ذات مرّة رئيس الجمهوريّة وتمنّى عليه أن ينئي عن وزارة التربية "كمال جنبلاط" وكان وزيرها يوم ذاك، ليس لأنّه غير مارونيّ أو غير سنّي؛ وكان الإنسان النظيف اليد واللسان، والذي يحبّونه ويقدّرون سجاياه الخلقيّة والوطنيّة، بل لأنّه كان عازمًا عزمًا أكيدًا على رفع مستوى التعليم الرسميّ وجعله فوق التعليم الخاصّ ومراقبة هذا الأخير وتفتيشه وتعزيز المعلّم ورفع شأنه، وهو الذي كان يتمنّى أن يطلّق السياسة وينخرط في سلك التربية والتعليم لينشىء جيلًا عناصره تتعلّم على مقاعد واحدة لا تمييز بين مسيحيّيها ومسلميها، حاربوه في الخفاء لأنّه أراد علمنة التربية والتعليم، والعلمنة لا تعني أبدًا محاربة الدين أو أهل الدين الذي يغار عليه اللوبي ولا تعني الكفر والإلحاد بل تعني أن يتعلّم اللبنانيّ واللبنانيّة روحانيّات الدين وجوهره ومبادئه التي تدعو إلى المحبّة، محبّة كلّ لبنانيّ مسيحيًّا كان أم مسلمًا، ولو قيّض له أن ينجح لكان أنصفكم بإلغاء القرار الجائر ذي الرقم 29 ولما اضطررتم إلى إعلان إضرابكم، هذا الإضراب المحقّ وقد صبرتم كثيرًا قبل اللّجوء إليه، إزاء مماطلة المسؤولين في الحكم والحكومة والبرلمان وخلفهم اللوبي المذكور الذي لا يشبه اللوبي الأمريكيّ الصهيونيّ المهيمن على سياسة البيت الأبيض طبعًا، بل اللوبي اللبنانيّ المتآمر عليكم في الجهار والخفاء، الساعي إلى طمس حقّكم الصريح المقدّس الذي يوازر في خلق معلّم له نقابة تحميه وتعزّز شأنه وشأن التربية والتعليم معًا، ممّا يوفّر السبيل إلى وحدة الأجيال الطالعة ووحدة لبنان وترسيخ كيانه المهتزّ اليوم.    

   عشتم أيّها المعلّمون موحّدين وعاش لبنان بكم. والسلام

                         يوسف س. نويهض                      

                             ت1-1987 

                       نشرت في جريدة النداء